مصطفى صادق الرافعي
10
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
يجهلون ولا يحققون ، كالذي يحبس عينه على الظل ولا ينظر فيما وراءه مما يفيء عنه الظل تارة قصيرا وتارة طويلا وحينا مجتمعا وحينا ممتدا ثابتا ومرة متحولا ، فإن هذا القرآن أشبه بالأثر المبني بناء ( كالهرم الأكبر مثلا ) وقد تركه تاريخ زمن ليعين للأزمنة الأخرى صفة ثابتة لا تحتمل هذا التأويل الذي لا بد أن يعتري في كل عصر من طبائع أهله ، وتقلب هذه الطبائع . وتنوع هذا التقلب واختلافه ، ولكنه مع ذلك كتاب ، أي كلام ومعان تتسع لكل الأزمنة وتحتمل اختلافها الذي تختلف به ثم هي تحدّد هذا الاختلاف فتردّه إلى القانون الإنساني الأعلى الذي يسري فيه اليقين العام ليحفظ الإنسانية على أهلها ، ومن ثمّ تراه يجمع في نفسه الثبات الزمني ، فلا يتغير ولا يتبدل على ما يمتد الزمن ويتغير ، ثم يجمع إلى ذلك لكل جيل قوة التأويل في معانيه الحادثة الصحيحة ، وقوة التكوين في آدابه الصالحة القوية كأنه ليس من زمن مضى ، ولا كان لأمة سلفت ، ولا هو لتاريخ وقع وانقطع ، فإذا أنت تدبرت هذا واستدللت عليه بما أظهره هذا الجيل العلمي في القرآن مما وافق الحقائق الطبيعية والكونية والاجتماعية « 1 » فلن يأتي لك من ذلك إلا معنى واحد تستخرجه وتقع به ، وهو أن هذا الكتاب الكريم أثر غيبي كان في علم اللّه قبل كل الأزمنة ، فهو يحويها كلها وكأنه يوجد معها كلها ، وبذلك يتعين أنه هداية إلهية في أسلوب إنساني يحمل في نفسه دليل إعجازه ، ويكون القرآن منفردا في التاريخ بأنه منذ أنزل لا يبرح في كل عصر يظهر من ناحيتين صادقتين : ناحية الماضي ، وناحية الحاضر . فثباته على خلاف قاعدة الثبات الإنسانية ، إعجاز ليس في العجب أبدع منه إلا تحول معانيه على غير قاعدة التحول . إنه وجود لغوي ركب كل ما فيه على أن يبقى خالدا مع الإنسانية ؛ فهو يدفع عن هذه اللغة العربية النسيان الذي لا يدفع عن شيء . وهذا وحده إعجاز . ثم هو لن يكون كفاء ذلك ولن يقوم به إلا إذا كان معجزا أهل اللغة جميعا ، فتذكر به اللغة ولا يذكر هو بها ؛ وبذلك يحفظها ؛ إذ يكون في إعجازه مشغلة العقل البياني العربي في كل الأزمنة ، يأتي الجيل من الناس ويمضي وهو باق بحقائقه ينتظر الجيل الذي يخلفه ؛ كما أنه مشغلة الفكر الإنساني إذا أريد درس أسمى نظام للإنسانية في حرامها وحلالها مما تحلّه مصلحة الاجتماع أو تحرمه .
--> ( 1 ) قد ثبت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبض ولم يفسر من القرآن إلا قليلا جدا . وهذا وحده يجعل كل منصف يقول : أشهد أن محمدا رسول اللّه إذ لو كان صلّى اللّه عليه وسلم فسر للعرب بما يحتمله زمنهم وتطيقه أفهامهم ، لجمد القرآن جمودا تهدمه عليه الأزمنة والعصور بآلاتها ووسائلها ، فإن كلام الرسول نص قاطع ، ولكنه ترك تاريخ الإنسانية يفسر كتاب الإنسانية ؛ فتأمل حكمة ذلك السكوت : فهي إعجاز لا يكابر فيه إلا من قلع مخه من رأسه .